دكتور محمد عيد يكتب: حين يتحول دكتور جوجل إلى مصدر للقلق: دراسة مصرية تكشف أبعاد توهم المرض السيبراني
في عصرنا الرقمي الحالي، أصبح من المعتاد أن يلجأ الفرد إلى محركات البحث فور شعوره بوخزة ألم بسيطة، ليجد نفسه غارقاً في دوامة من التشخيصات المرعبة التي قد تبدأ بصداع وتنتهي بتوقع أورام خبيثة. هذا السلوك ليس مجرد فضول، بل هو ظاهرة نفسية متنامية تُعرف بتوهم المرض السيبراني (Cyberchondria)، والتي كانت محور دراسة علمية حديثة للدكتور محمد عيد عبد علي، استشاري الصحة النفسية والإرشاد الأسري.
ما هو توهم المرض السيبراني؟
الدراسة تُعرف هذا الاضطراب بأنه قلق مفرط على الصحة ناتج عن الإفراط في البحث عن المعلومات الطبية عبر الإنترنت، حيث يسيء الفرد فهم الأعراض ويطبقها على نفسه، مما يؤدي إلى عدم الطمأنينة وفقدان الثقة في رأي الأطباء المتخصصين حتى بعد التأكد من خلوه من أي مرض عضوي.
أبعاد الأزمة: متى يصبح البحث خطراً؟
لم يكتفِ الدكتور محمد عيد برصد الظاهرة، بل قام ببناء مقياس علمي دقيق للتحقق من الخصائص السيكومترية لتوهم المرض السيبراني. وقد توصلت الدراسة إلى أن هذا الاضطراب يتشكل من أربعة أبعاد رئيسية:
البحث عن الأعراض: الرغبة الملحة في تقصي كل شاردة وواردة طبية.
الشك في التشخيص: عدم الاقتناع برأي المختصين والبحث عن بدائل رقمية.
البحث عن الطمأنينة: محاولة تهدئة القلق عبر مزيد من القراءة، وهي محاولة غالباً ما تأتي بنتائج عكسية.
الضيق والقهرية: شعور الفرد بالانزعاج النفسي والاضطرار لتكرار سلوك البحث لدرجة تعطل حياته اليومية.
لماذا تزايدت الظاهرة مؤخراً؟
تشير الدراسة إلى أن جائحة كورونا كانت نقطة تحول، حيث تزايد الخوف من الأوبئة مما دفع الملايين للبحث المكثف عن الأعراض عبر الإنترنت. ورغم وفرة المعلومات، إلا أن الإنترنت لا يعد أداة تشخيصية دقيقة، وغالباً ما تفتقر المعلومات المتاحة فيه للمصداقية أو السياق الطبي الصحيح.
الآثار الجانبية للتشخيص الذاتي
نتائج هذا الاضطراب لا تتوقف عند القلق النفسي فحسب، بل تمتد لتشمل:
تأثيرات أكاديمية ومهنية: استهلاك الوقت والجهد في البحث على حساب الدراسة والعمل.
مشكلات مالية: بسبب الاستشارات الطبية المتكررة وغير الضرورية.
اضطراب العلاقات: نتيجة الانشغال الدائم بالمرض المتوهم.
مخاطر صحية حقيقية: مثل التوقف عن العلاج الفعلي أو اللجوء للمعالجة الذاتية بناءً على معلومات مضللة.
روشتة المواجهة
تضع الدراسة حلولاً عملية لمواجهة هذا الوباء الرقمي، من أهمها:
ضرورة تنفيذ برامج إرشادية وتدريبية لمختلف الفئات العمرية للحد من هذا الاضطراب.
توجيه الجهود الحكومية لتوفير مواقع إلكترونية طبية موثوقة وبسيطة اللغة لقطع الطريق على المعلومات المغلوطة.
تعزيز مهارات التفكير الناقد لدى الأفراد لتمكينهم من تنقية المعلومات الصحية التي يواجهونها عبر الشبكة العنكبوتية.
ويمكنكم مطالعة الدراسة كاملة على موقع مجلة آفاق جديدة بجامعة عين شمس، أو التواصل مع الدكتور محمد على صفحة نفسلوجي (Nafslogy) على وسائل التواصل الاجتماعي.
ختاماً يبقى الوعي النفسي هو الدرع الأول في مواجهة مخاطر التكنولوجيا؛ فالعلم متاح للجميع، لكن التشخيص يبقى أمانة في يد المختصين وحدهم.
