نداء من مؤسسه التسامح والسلام إلى القيادة السياسية: ميثاق وطني لاستدامة الأسرة وحماية الأمن القومي المجتمعي
تتسارع خطى الدولة المصرية نحو بناء الجمهورية الجديدة، وهي مسيرة تقتضي بالضرورة تحصين الجبهة الداخلية المتمثلة في الأسرة، النواة الأولى للمجتمع. وفي ظل المتغيرات الاجتماعية المتلاحقة، تبرز الحاجة الملحة لصياغة رؤية إصلاحية شاملة تخاطب السيد رئيس الجمهورية ومؤسسات الدولة السيادية، لوضع حد لاستنزاف الطاقات البشرية في أروقة المحاكم، وضمان بيئة آمنة تنشأ فيها أجيال المستقبل بعيداً عن شبح التفكك والصراعات القانونية.
تتبنى هذه الرؤية الوطنية استراتيجية "تحييد الصغار"، جاعلة من حقوق الطفل خطاً أحمر لا يقبل المساس؛ حيث تنص المقترحات على كفالة حق الطفل الأصيل في التواصل مع كلا والديه بانتظام، مع تجريم استخدامه كأداة ضغط أو مساومة. وفي قلب هذه المبادرة، يأتي الالتزام الصارم بضمان استقرار المسيرة التعليمية للأبناء، باعتبارها حقاً سيادياً للدولة على مواطنيها، لا يتأثر بنشوب الخلافات الأسرية.
ولتحقيق التوازن المالي والاجتماعي، تطرح المبادرة حلولاً جذرية لإنهاء النزاعات حول المسكن والمنقولات، ترتكز على مبدأ الاستقرار والعدالة الانتقالية؛ فلا إخلاء للمسكن أو تصرف في المنقولات إلا بوقوع طلاق بائن ونهائي. كما تعزز الرؤية مفهوم المشاركة الأسرية عبر إلزام الزوجة العاملة بالمساهمة في النفقات، مع وضع آلية زمنية لتملك المسكن أو تقسيمه بما يضمن كرامة الطرفين، خاصة في الزيجات طويلة الأمد.
وفي سياق متصل، تسعى المبادرة لضبط منظومة النفقات عبر تحديد مبالغ شهرية عادلة تتناسب مع القدرة المالية، يتم إيداعها عبر حسابات بنكية مخصصة تمثل السند القانوني الوحيد لإبراء الذمة، مما يغلق الباب أمام القضايا الكيدية.
وتتوسع المبادرة في تقديم حلول استباقية من خلال استحداث نظام "التأمين الاجتماعي الأسري"، الذي يهدف لتوفير غطاء مادي للأطراف في حالات الانفصال، ليشمل مبالغ تأمينية محددة للزوج والزوجة، وتأميناً خاصاً لكل طفل لضمان استمرار الرعاية الصحية والتعليمية وسداد القيمة الإيجارية للمسكن، بما يقي الأسرة غوائل الفقر والحاجة.
ولا تقتصر الرؤية على معالجة الآثار، بل تمتد لتأسيس الوعي عبر "البرنامج القومي لتأهيل المقبلين على الزواج". هذا البرنامج يمثل شرطاً أساسياً للاستقرار، حيث تنظمه مؤسسات الدولة بمشاركة نخبة من المدربين من الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف، إلى جانب خبراء في القانون وعلاقات الأسرة. ويتضمن البرنامج دورات تدريبية متخصصة للرجال وأخرى للنساء، بالإضافة إلى ورش عمل مشتركة تهدف لتوضيح الحقوق والواجبات المتبادلة، وترسيخ ثقافة المودة والرحمة.
وفي خضم هذه المعركة الوطنية، يبرز دور "القوى الناعمة" كشريك أصيل لا يمكن إغفاله؛ حيث تضع المبادرة الفن والإعلام أمام مسؤولياتهما التاريخية. إن انحدار المنظومة الأسرية وزيادة معدلات الطلاق يلقيان بظلالهما على المحتوى الإعلامي والدرامي الذي ساهم في كثير من الأحيان في تصدير نماذج سلبية وتفتيت الروابط. لذا، تطلق الرؤية صرخة استغاثة لإيقاظ الضمير المهني نحو الدين والأخلاق ومصلحة الدولة، ليكون الفن والإعلام أداة بناء تجمع شمل الأسرة وتدعم استقرارها، بدلاً من أن يكونا معاول هدم للنسيج المجتمعي.
إن هذه المقترحات، بما تتضمنه من لجان مصالحة إلزامية وغرامات رادعة ضد العنف، تمثل خارطة طريق وطنية لإعادة الانضباط للمنظومة الأسرية، وتحويلها من ساحة للنزاع إلى مؤسسة بناءة تسهم في استقرار الدولة ونموها الاقتصادي والاجتماعي.
الكاتب والمفكر حمدي قنديل رئيس مؤسسه التسامح والسلام.
