قلم السلام حمدي قنديل

 قلم السلام حمدي قنديل 

من وعظ المنابر إلى انضباط الأسواق: الرقابة كفريضة دينية وأمن قومي

​تتحول الساحة الدينية في كثير من الأوقات إلى منابر لإعادة إنتاج معارك فقهية فرعية حُسمت إجاباتها منذ قرون، ومع كل موسم يتجدد الجدل حول قضايا شكلية مكررة، في حين تواجه المجتمعات أزمات سلوكية حادة تضرب عمق تعاملاتها اليومية من غش تجاري وصناعي، وتلوث غذائي، وإهمال في النظافة العامة، وغياب للأمانة والإخلاص في العمل، وهذا التباين الصارخ يفرض سؤالاً جوهرياً حول غياب فقه الواقع وفقه بناء الإنسان في الخطاب المعاصر.

​إن حصر الدين في مظاهر تعبدية محددة مع إغفال أزمات الضمير المهني يعكس نوعاً من الانفصام السلوكي، فالإسلام جاء ليصنع إنساناً متكاملاً، وجعل العبادات وسائل لتزكية الأخلاق وليست غايات معزولة، وعندما يعلن القرآن الصريح بأن الله لا يحب المفسدين ولا يحب الفاسقين، فإنه يخرج قضية الفساد والغش من دائرة الخطأ السلوكي العابر إلى دائرة المروق من محبة الله ورضوانه، والإفساد في الأرض يشمل كل فعل يؤدي إلى تخريب حياة الناس؛ فالذي يبيع طعاماً ملوثاً، أو يغش في مواصفات السلع، أو يحول المقاهي والمطاعم إلى بؤر للمواد الضارة من أجل تحقيق مكاسب سريعة، هو مفسد ينتهك الكليات التي جاءت الشريعة لحفظها وفي مقدمتها النفس والنسل والمال.

​وفي هذا السياق، يتجلى مفهوم المؤمن القوي الذي يحبه الله ورسوله في منظومة متكاملة تبدأ من لقمة العيش النظيفة وتنتهي بأعلى درجات المعرفة والأمانة، فالقوة البدنية والصحية للأمة لا تأتي من أدوية المرضى بل من طهارة الغذاء ونقائه، وتحويل الأسواق والمطاعم والمقاهي في غياب الرقابة إلى مصادر للأمراض والأوبئة بسبب الجشع واستخدام المواد المسرطنة أو التالفة هو هدم مقصود لبنيان الإنسان، كما أن حديث الإتقان يضرب في عمق أزمة الأسواق اليوم، حيث لا يمثل الإتقان خياراً تجميلياً بل هو أصل العمل، وغش قطع الغيار ومواد البناء والتلاعب بالأسعار هو إفساد يورث الفقر ويمحق البركة.

​إن مواجهة هذا الإفساد تتطلب الانتقال الفوري من الوعظ النظري المعزول إلى المنظومة الرقابية المتكاملة، فالضمير المستيقظ يزجره القرآن، والضمير الميت لا يزجره إلا القانون، وفي التاريخ الإسلامي لم تكن إدارة الأسواق تُترك للضمائر الفردية فحسب، بل كانت هناك وظيفة رسمية كبرى تُسمى المحتسب، وهو جهاز الرقابة الصحية والتموينية بمفهومنا المعاصر الذي يضمن جودة السلع ونظافة أواني الطبخ ويعاقب المخالفين فوراً، وغياب هذه الرقابة الصارمة اليوم يعد تعطيلاً لهذا الأصل التشريعي العظيم.

​ولن يستعيد الخطاب الديني هيبته، ولن تستعيد المجتمعات قوتها، إلا إذا تحولت المنابر إلى تفكيك قضايا الساعة وتشريح أحكام الغش الغذائي والصناعي وتسمية الأشياء بمسمياتها، بالتوازي مع تشديد العقوبات وتكثيف الحملات الفجائية من الأجهزة التنفيذية، فالأمة القوية هي التي تدرك أن صيانة حياة الإنسان وصحته وأمانته في عمله هي الجهاد الحقيقي، وأن الرقابة الصارمة في الأسواق والمطاعم هي التطبيق الفعلي لمراد الله في الأرض وبدونها يتحول المجتمع إلى غابة من الجشع المغلف بالشعارات الجوفاء.

قلم السلام حمدي قنديل رئيس مؤسسه التسامح والسلام الدوليه

إرسال تعليق

أحدث أقدم