محمد حسين عبد الرازق - المحامي : هل تكفي رسائل واتساب لإثبات الابتزاز الإلكتروني؟.. حجية المحادثات الإلكترونية أمام القضاء المصري


 محمد حسين عبد الرازق - المحامي : هل تكفي رسائل واتساب لإثبات الابتزاز الإلكتروني؟.. حجية المحادثات الإلكترونية أمام القضاء المصري

تحقيق صحفي

أصبحت تطبيقات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق «واتساب»، جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ولم تعد المحادثات الإلكترونية مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى عنصر أساسي في النزاعات القانونية والوقائع الجنائية، خاصة في جرائم التهديد والابتزاز الإلكتروني والسب والقذف وانتهاك الخصوصية.

ومع تزايد الوقائع المرتبطة باستخدام الرسائل والصور والمحادثات الإلكترونية للتهديد أو الضغط على الآخرين، يثور تساؤل قانوني مهم حول مدى إمكانية الاعتماد على رسائل واتساب كدليل أمام جهات التحقيق والمحاكم، وما إذا كانت صور المحادثات الملتقطة عبر الهاتف، والمعروفة باسم «سكرين شوت»، كافية وحدها لإثبات الجريمة وإدانة المتهم المنسوبة إليه

وفي هذا السياق، أكد الأستاذ محمد حسين عبد الرازق، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، أن الدليل الإلكتروني أصبح من الأدلة التي يعترف بها المشرع المصري في مجال الإثبات الجنائي، إلا أن الاعتراف بحجية الدليل الرقمي لا يعني أن كل صورة لمحادثة إلكترونية تصلح تلقائيًا لإثبات الاتهام، أو أن مجرد تقديم محادثة عبر تطبيق واتساب يؤدي بالضرورة إلى إدانة الشخص المنسوبة إليه.

وأوضح حسين أن المشرع المصري نظم حجية الأدلة الرقمية بموجب القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، حيث نصت المادة 11 منه على أن الأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة والمعدات والوسائط والدعامات الإلكترونية والأنظمة المعلوماتية وغيرها من وسائل تقنية المعلومات تكون لها قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية في الإثبات الجنائي، متى توافرت فيها الشروط الفنية المقررة باللائحة التنفيذية للقانون.

وأضاف أن هذا النص يمثل تطورًا مهمًا في منظومة الإثبات الجنائي، إذ لم يعد الدليل مقتصرًا على المستندات الورقية أو الشهادة أو المعاينة التقليدية، وإنما امتد ليشمل البيانات والمعلومات الإلكترونية التي يمكن الاستعانة بها في كشف الحقيقة وإثبات الوقائع محل التحقيق.

هل تكفي صورة المحادثة «سكرين شوت» لإثبات الابتزاز الإلكتروني؟

وفيما يتعلق بمدى كفاية صور المحادثات المتداولة على الهواتف المحمولة، أشار محمد حسين عبد الرازق إلى ضرورة التفرقة بين تقديم صورة لمحادثة إلكترونية وبين تقديم دليل رقمي يمكن التحقق من مصدره وسلامة محتواه ونسبته إلى الشخص المنسوب إليه.

وأكد أن الصورة الملتقطة للشاشة قد تكون بداية للاستدلال على الواقعة، لكنها لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها دليلًا قاطعًا بذاتها في جميع الأحوال، خاصة إذا ثار نزاع جدي حول صحتها أو احتمال اجتزائها أو التلاعب بمحتواها أو عدم صدورها عن الحساب المنسوب إلى المتهم.

وأوضح أن التحقق من الدليل الرقمي قد يستلزم فحص الهاتف أو الجهاز الذي يحتوي على المحادثة، والاطلاع على البيانات الإلكترونية المرتبطة بها، وفحص سلامة المحتوى وتتابع الرسائل وتوقيتها، والاستعانة بالخبرة الفنية المختصة متى اقتضت ظروف الواقعة ذلك.

وشدد على أن العبرة ليست بمجرد وجود صورة للمحادثة، وإنما بمدى إمكانية الاطمئنان إلى سلامة الدليل ومصدره وظروف الحصول عليه، ومدى اتساقه مع باقي أدلة الدعوى.

كيف يتم إثبات أن حساب واتساب يخص المتهم؟

وفيما يتعلق بنسبة المحادثات الإلكترونية إلى الأشخاص المنسوبة إليهم، أكد حسين أن ظهور اسم شخص أو صورته على حساب واتساب لا يكفي وحده للجزم بأنه صاحب الحساب أو أنه هو من أرسل الرسائل محل الاتهام.

وأوضح أن إثبات نسبة الحساب أو الرسالة إلى شخص معين قد يستلزم فحص البيانات الفنية المتاحة، وظروف استخدام الحساب، والأجهزة المرتبطة به، وسائر القرائن والأدلة التي تكشف عن حقيقة الواقعة.

وأضاف أن هناك فارقًا قانونيًا مهمًا بين إثبات وجود محادثة إلكترونية وبين إثبات أن المتهم هو من أرسلها، وهو ما يستوجب التعامل مع الدليل الرقمي باعتباره عنصرًا فنيًا وقانونيًا يحتاج إلى التحقق والتقييم في ضوء ظروف كل دعوى.

هل حذف رسائل واتساب يمنع استخدامها كدليل؟

وأشار محمد حسين عبد الرازق إلى أن حذف الرسائل من الهاتف لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إليها أو فحصها، كما أن وجود رسائل محذوفة لا يعني تلقائيًا إمكانية استعادتها أو الاعتماد عليها في الإثبات.

وأوضح أن إمكانية استعادة البيانات المحذوفة تتوقف على عوامل فنية متعددة، من بينها نوع الجهاز وطريقة الحذف وحالة البيانات والنسخ الاحتياطية المتاحة، ومدى إمكانية إجراء الفحص الفني بصورة سليمة.

وشدد على أهمية عدم العبث بالهاتف أو إجراء تغييرات غير ضرورية على البيانات محل الواقعة، حفاظًا على سلامة الأدلة الرقمية وإتاحة الفرصة لفحصها من الجهات المختصة.

ما الفرق بين التهديد والابتزاز الإلكتروني في القانون المصري؟

وفي سياق متصل، أوضح حسين أن استخدام تطبيق واتساب في إرسال رسالة تهديد لا يعني بالضرورة انطباق وصف قانوني واحد على جميع الوقائع، إذ يتحدد التكييف القانوني وفقًا لمضمون الرسالة والغرض منها وطبيعة الفعل والنتائج المترتبة عليه.

وأضاف أن الابتزاز قد يتضمن تهديد شخص بنشر صور أو معلومات خاصة أو إفشاء أسرار بقصد حمله على دفع مبلغ مالي أو تقديم منفعة أو القيام بفعل معين أو الامتناع عنه، بينما قد تتخذ بعض وقائع التهديد صورًا أخرى تختلف في تكييفها القانوني.

وأكد أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تضمن نصوصًا تتعلق بحماية الخصوصية والبيانات الشخصية والاعتبار والشرف، ومن بينها المادتان 25 و26، اللتان تتناولان أفعالًا محددة تتعلق بانتهاك الخصوصية وإساءة استخدام البيانات الشخصية بوسائل تقنية المعلومات.

كما أشار إلى أن بعض الوقائع قد تخضع، بحسب تفاصيلها، لنصوص أخرى في قانون العقوبات، ولذلك لا يجوز التعامل مع كل واقعة ابتزاز إلكتروني باعتبارها جريمة واحدة ذات أركان وعقوبة موحدة، دون فحص ظروفها وتحديد النص القانوني المنطبق عليها.

ما العقوبة القانونية للابتزاز الإلكتروني؟

وأكد حسين أن تحديد العقوبة يتوقف على الوصف القانوني الصحيح للفعل المرتكب، والنصوص التي تنطبق على الواقعة، ومدى توافر أركان الجريمة والظروف المشددة إن وجدت.

وأوضح أن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 تضمن عقوبات لعدد من صور الاعتداء على الخصوصية وإساءة استخدام البيانات الشخصية، إلا أن عقوبة كل واقعة تتحدد وفقًا للنص القانوني المنطبق عليها، ولا يصح تعميم عقوبة واحدة على جميع صور التهديد والابتزاز التي تتم عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.

ما النصيحة القانونية لمن يتعرض للابتزاز عبر واتساب؟

واختتم الأستاذ محمد حسين عبد الرازق حديثه بالتأكيد على ضرورة التعامل مع وقائع الابتزاز الإلكتروني بصورة قانونية سليمة، وعدم التسرع في حذف المحادثات أو التخلص من الهاتف الذي يحتوي على الرسائل محل الواقعة.

وأوضح أن الاحتفاظ بالجهاز الأصلي والمحادثات كاملة، وعدم الاكتفاء بالصور المجتزأة، يمثل خطوة مهمة في الحفاظ على الدليل الرقمي، مع تجنب تعديل الرسائل أو إعادة إرسالها بطريقة قد تؤثر في سلامة فحصها.

كما شدد على أهمية اللجوء إلى الجهات المختصة وتقديم البلاغ مدعومًا بما يتوافر من أدلة وبيانات، مع ترك إجراءات الفحص الفني والتحقيق للجهات المختصة وفقًا للقانون.

وأكد أن التطور التكنولوجي فرض واقعًا جديدًا على منظومة العدالة الجنائية، وأصبح التعامل مع الأدلة الرقمية وفهم طبيعتها الفنية والقانونية أمرًا لا غنى عنه لتحقيق التوازن بين حماية المجني عليهم وضمان حقوق المتهمين، حتى لا تتحول التكنولوجيا من وسيلة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لاصطناع الأدلة أو توجيه اتهامات لا تستند إلى أساس صحيح.

نبذة عن الأستاذ محمد حسين عبد الرازق

الجدير بالذكر أن الأستاذ محمد حسين عبد الرازق هو محامٍ بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، ومستشار قانوني لكبرى الشركات في مصر، ومتخصص في قضايا الجنايات والجنح والجرائم الاقتصادية، وقضايا الأحوال الشخصية، وتأسيس الشركات.

حاصل على درجة الماجستير في القانون العام والعلوم الاقتصادية من كلية الحقوق – جامعة الإسكندرية، وباحث دكتوراه في القانون بكلية الحقوق – جامعة الإسكندرية.

ويمارس الأستاذ محمد حسين عبد الرازق عمله القانوني من خلال مكتبه بمدينة الإسكندرية، ويقدم خدماته القانونية والاستشارية للأفراد والشركات في مختلف التخصصات القانونية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم