لماذا يميل الناس إلى استسهال التصديق ؟؟

لماذا يميل الناس إلى استسهال التصديق ؟؟

في زمن تتكاثر فيه الأصوات ،، وتتشابك فيه الحقائق مع الزيف حتى يكاد الفاصل بينهما يختفي ،، لم يعد السؤال : هل هذا صحيح ؟؟ بل أصبح السؤال الأخطر : هل يبدو مقنعًا بما يكفي لأصدّقه ؟؟

الأدلة والبراهين لا تقارن ب

 " اللايك" و" الشير " ..

الإنسان بطبيعته يميل إلى الراحة الذهنية ،، إلى الإجابات السهلة الجاهزة التي لا تُتعبه في البحث ولا تُرهقه في التفكير .. وهنا تبدأ المشكلة ؛ حين تتحول الرغبة في الفهم إلى رغبة في “الاطمئنان السريع” ،، ولو كان على حساب الحقيقة ..

نرى هذا بوضوح في نماذج متعددة تتكرر حولنا :

شيخٌ محرفٌ للفكر أو الدين ،، يعيد صياغة النصوص وفق هواه ،، فيتلقّفه البعض باعتباره “مناضلًا” أو “مجددًا” أو حتى “مجاهدًا فكريًا”،، بينما هو في حقيقته أبعد ما يكون عن ذلك ،، لكنه نجح في مخاطبة العاطفة لا العقل ،، فربح التصفيق وخسِر الناس الحقيقة ..

وفي المقابل .. ظهر شخص متهم بالتحرش أو السلوك المنحرف ،، فتتحول حوله الرواية فجأة إلى محاولة تلميع ،، فيُصنع له خطاب موازٍ يقدّمه كـ”ضحية سوء فهم” أو “بطل جماهيري” ،، وكأن السمعة يمكن إعادة تدويرها بمجرد ضجيج كافٍ على مواقع التواصل ..

بل إننا نرى نموذجًا آخر لا يقل خطورة : دكتور تم شطبه من النقابة أو فقد أهليته المهنية ،، ومع ذلك يُقدَّم للبعض كـ”علامة زمانه” و”الخبير الفذ” ،، فقط لأن صورته اللامعة على السوشيال ميديا أقوى من قرار مؤسسي أو سجل مهني ..


المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم ،، بل في قابلية الجمهور أصلًا لتصديق ما يوافق مزاجه النفسي أو انحيازه العاطفي .. 

نحن لا نبحث دائمًا عن الحقيقة ،، بقدر ما نبحث عن رواية تُشبهنا ،، تُريحنا ،، وتؤكد لنا ما نرغب في تصديقه مسبقًا ..

وهنا تحديدًا يُستغل الإنسان : حين يصبح الحكم على الأشياء قائمًا على الانطباع لا المعرفة ،، وعلى الضجيج لا الدليل ،، وعلى الصورة لا الجوهر ..

السوشيال ميديا زادت الأمر تعقيدًا ؛ إذ لم تعد الحقيقة تحتاج إلى وقت كي تُفهم ،، بل إلى ثوانٍ كي تُستبدل ..

 منشور واحد قادر على صناعة بطل ،، وآخر قادر على هدمه ،، دون محاكمة عقلية حقيقية ..

في النهاية ، يبقى السؤال معلقًا : هل نحن أمام مجتمع يحتاج إلى مزيد من “الوعي” فعلًا… أم أمام مجتمع يفضّل الراحة على الحقيقة ،، حتى لو كانت الراحة مبنية على وهم ؟؟

وهل إذا قيلت النصيحة بوضوح وجِهار ،، تُستقبل باعتبارها وعيًا واجبًا ؟؟ أم تُقابَل بالهجوم والتشويه… حتى يُصبح الصمت هو الخيار الأكثر أمانًا ،، ويُسمع حينها فقط من يصرخ أكثر ،، لا من يملك الحقيقة ؟؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم